تحليل الخبر

أوكرانيا: “سوق الأرحام”… حين يصبح جسد المرأة ملاذًا للنجاة من جحيم الحرب

لم تكتفِ الحرب في أوكرانيا بتدمير المنازل وسحق الحياة في الشوارع، بل امتدت لتطال أجساد النساء؛ حيث وجدت الكثيرات من الشابات الأوكرانيات أنفسهن مضطرات لـ “تأجير أرحامهن” من أجل البقاء.
أوكرانيا

قبل الحرب، كانت أوكرانيا الوجهة الثانية عالمياً – بعد الولايات المتحدة – في مجال “تأجير الأرحام التجاري”. واليوم، ورغم الدمار والقصف، لم يغلق هذا النشاط أبوابه، بل انتعش ليعود إلى مستويات ما قبل الحرب، لكن مع فارق جوهري: باتت النساء يدخلن هذا المعترك أكثر يأساً، وأشد حاجة، وتحت ظروف أكثر قسوة.

“كارينا”… وجه المعاناة

قصة “كارينا” (۲۲ عاماً) من مدينة “باخموت” المدمرة، تختصر الواقع المرير. حين كانت في السابعة عشرة، سويت مدينتها بالأرض، لتنزح وزوجها إلى كييف. هناك، تعثرت سبل العيش، وتذكر كارينا بمرارة اللحظة التي لم تجد فيها ثمن “الخبز وحفاضات طفلتها”، فقررت تأجير رحمها.

هي الآن حامل في شهرها السادس لجنين يعود لزوجين صينيين. كان من المفترض أن تتقاضى ۲۱ ألف دولار، لكن المبلغ تقلص إلى ۱۷ ألفاً بعد فقدان أحد التوأمين. ورغم الغضب الذي خالجها في البداية، باتت كارينا تنظر للأمر كـ “وظيفة” تخطط لتكرارها لشراء منزل.

سوق مربح وزبائن أجانب

يأتي نحو ۹۵% من زبائن هذا السوق من الأجانب، حيث تبلغ تكلفة العملية في أوكرانيا حوالي ۸۷ ألف دولار، مقارنة بـ ۱۵۰ ألف دولار وأكثر في أمريكا. بالنسبة لأزواج مثل “هيماتراج وراجوير” من لندن، كانت أوكرانيا “فرصة ذهبية”؛ فالحمل بالنسبة لراجوير كان يشكل خطراً صحياً بسبب إصابتها بمرض “التصلب المتعدد” و”بطانة الرحم المهاجرة”. وفي بريطانيا، يُسمح فقط بتأجير الأرحام التطوعي دون مقابل مادي، مما يعقد الحقوق القانونية. في المقابل، توفر أوكرانيا نظاماً تجارياً منظماً وقانونياً.

الوجه المظلم: “تخفيضات” على البشر

في المقابل، يرى نشطاء حقوق المرأة أن العيادات تستهدف النساء الفقيرات عبر إعلانات تلاعب بالعواطف. ففي عام ۲۰۲۱، قدمت أكبر عيادة تأجير أرحام في أوكرانيا “تخفيضات الجمعة السوداء”!، وكأن الأمر يتعلق بسلعة لا بإنسان. هذه العيادة نفسها تخضع اليوم للتحقيق بتهمة “الاتجار بالبشر”، وهو ما ينفيه مديروها.

ضحايا بلا هوية

الأكثر إيلاماً هم الأطفال الذين يتخلى عنهم آباؤهم البيولوجيون. “توماس” (۵ سنوات) هو واحد منهم؛ ولد مبتسراً ومصاباً بتلف دماغي، فتخلى عنه والداه الآسيويون، ورفضت الأم البديلة كفالته، ليجد الطفل نفسه حبيس ملجأ في كييف، بلا عائلة ولا مستقبل. تقول “فاليريا سوروكان” من وزارة الصحة الأوكرانية إن هناك “أعداداً كبيرة” من هؤلاء الأطفال المهجورين، ولا توجد قوانين تُلزم العيادات بتحمل مسؤولياتهم المالية.

هل تقترب النهاية؟

اليوم، يناقش البرلمان الأوكراني مشروع قانون يشدد الرقابة، بل ويهدف لمنع الأجانب من الوصول لهذه الخدمات. يجادل المؤيدون بأن “النساء الأوكرانيات لا يجب أن يلدن أطفالاً للأجانب” في ظل تدهور معدلات المواليد بسبب الحرب.

بينما يرى الأزواج الأجانب في هذا القرار “سلبًا لأملهم”، وتخشى نساء مثل كارينا ضياع أحلامهن المالية، يظل السؤال الأخلاقي قائماً: هل يمكن اعتبار اختيار امرأة مدمرة الحرب “خياراً حراً”؟ وهل يمكن وصف “استغلال الفقر” بأنه “مساعدة إنسانية”؟

مع اقتراب نهاية “حقبة أوكرانيا كقطب عالمي لتأجير الأرحام”، يبقى المصير المجهول بانتظار هؤلاء الأطفال في الملاجئ، وبانتظار آلاف النساء اللواتي قد لا يجدن سبيلاً آخر للعيش في وطن أنهكته الحرب.

فائزة آقامحمدي