تحليل الخبر

۵۲% من النساء الأمريكيات دون أطفال.. أزمة ديموغرافية تكشف ثمن العمل واللحظة العابرة

تُظهر الأرقام أن 52% من النساء الأمريكيات بين 20 و39 عامًا لا يملكن أطفالًا اليوم. وهذا الرقم اللافت أكدته دائرة الإحصاء الأمريكية، ومركز بيو للأبحاث، والمركز الوطني لإحصاءات الصحة.
الأزمة الديموغرافية في أمريكا

لكن لنكن صريحين: خلف هذه الأرقام والأزمة الديموغرافية في أمريكا، تختبئ كارثة إنسانية وثقافية. فقد تضافرت النسوية الحديثة مع المجتمع الاستهلاكي الأمريكيلتقليص الأمومة إلى مجرد خيار، بل إلى خيار يزداد يومًا بعد يوم فقدانًا للقيمة. وتأتي وسائل الإعلام وبعض الناشطات اللاتي يقدمن أنفسهن بوصفهن مدافعات عن حقوق المرأة، لتحتفي بهذه الأرقام كما لو أن التراجع السكاني إنجاز يستحق الفخر.

في الواقع، هناك جيل من النساء ينشأ اليوم وهو لا يعرف سوى الوظيفة والدخل ولذة اللحظة. لقد نُسِيَ أن بقاء أي مجتمع يعتمد على أمهات يربين الأطفال بالحب والتضحية والقيم الإنسانية. لكن الخطاب النسوي يصف هذه التضحية بأنها فرض وقهر، ويقدم بدلًا منها الاستقلال المالي والتقدم المهني بوصفهما طريق الخلاص.

فما النتيجة؟

امرأة في الأربعينيات، تعيش وحيدة في شقتها الصغيرة، يرافقها حيوان أليف، وتمضي ليلها أمام المسلسلات القصيرة، ثم تسأل نفسها في صمت:

أين ذهبت الحرية والسعادة التي وعدتنا بها النسوية؟

لقد رسّخ الفكر النسوي في وعي المرأة الأمريكية أن الأطفال عائق، وأن الوظيفة والمال هما كل شيء. وهكذا تحوّل المجتمع الأمريكي، الذي كان قائمًا في يوم من الأيام على تماسك الأسرة، إلى آلة لإنتاج أشخاص أكثر أنانية ووحدة. ويُروَّج للإجهاض بوصفه مفخرة، بينما تُوصم المرأة التي تميل طبيعيًا إلى الإنجاب بأنها تقليدية ومتأخرة.

فاسألوا أنفسكم: لماذا نخاف إلى هذا الحد من كلمة التضحية؟

ولماذا لم تعد أي أم تجرؤ على القول: أنا سعيدة لأنني أربي أطفالي؟

لأن النسوية لقّنت النساء قسرًا أن كل تضحية ظلم، وكل التزام قيد، وكل قيد عدو للحرية. لكن، لنكن واقعيين: ما قيمة حريةٍ لا يحتاج فيها أحد إلى أحد؟

يقال إن هذا هو التحرر والمساواة.

حسنًا، انظروا إلى النتيجة: الرجال أيضًا أصبحوا على المسافة نفسها من فكرة الإنجاب، وبالقدر ذاته من النفور تجاهها.

المجتمع الذي يخلو من الأطفال هو مجتمع يسير نحو الانقراض و هذا هو الأزمة الديموغرافية في أمريكا.

وقد دقت اليابان وأوروبا ناقوس الخطر، وأمريكا تسير في المسار ذاته. ومع ذلك، لا تزال بعض الأصوات النسوية تصف رقم 52% بأنه انتصار. لكن انتصارًا على ماذا؟

على الطبيعة؟

على الغريزة الأمومية؟

على مستقبل البشرية؟

في الحقيقة، النساء الأمريكيات هن ضحايا منظومة فكرية مريضة تفضّل اللذة الآنية على الحب المستدام.

وإذا غفلنا في إيران، فسيحدث لنا ما حدث هناك تمامًا.

قد لا تكون النسبة اليوم في إيران ۵۲%، لكن المؤشرات واضحة على أننا نسير خطوة خطوة في الطريق نفسه. ففي طهران وغيرها من المدن الكبرى، تجاوز سن الزواج 30 عامًا، وتراجع معدل الخصوبة إلى أقل من 1.7 طفل لكل امرأة، أي أقل من مستوى الإحلال السكاني، كما أصبح الإنجاب في بعض الأوساط الفكرية رمزًا للتخلف بدل أن يكون امتدادًا طبيعيًا للحياة.

إن النسخة الإيرانية من النسوية الغربية، وإن جاءت بعد سنوات، تحمل الشعارات نفسها والسموم ذاتها التي تُحقن بها الأسرة.

فالمنصات الاجتماعية تعجّ اليوم بمؤثرات يعلّمن الفتيات أن الأمومة قيد، وأن العمل أولوية مطلقة، وأن الحياة ستكون أكثر سعادة من دون أطفال.

وقبل سنوات قليلة فقط، لم يكن أحد يجرؤ على القول علنًا: لن أصبح أماً أبدًا.

أما اليوم، فقد صار هذا الكلام يُقال بفخر في بعض المقاهي الراقية بطهران، وكأن اللا-إنجاب أصبح موضة جديدة لا إنذارًا ديموغرافيًا.

فلنقل الحقيقة كما هي:

النسوية مشروع شامل.

تبدأ بشعارات الحقوق المتساوية، ثم تنتقل إلى الاستقلال المالي، ثم إلى التحكم في الجسد، أي الإجهاض الحر، ثم تقول إنه لا داعي لأن تصبحي أمًا، وفي النهاية تسلّم للمجتمع جيلًا من النساء في الأربعين، وحيدات، يَعِشن مع قطط قليلة في شقة صغيرة، وقد وصل بهن الندم إلى عمقه. لكن عندها يكون الوقت قد فات.

في أمريكا، جُرِّبت هذه المعادلة بالفعل.

واليابان وكوريا الجنوبية سارتا في الاتجاه نفسه.

أما في إيران، فإن الغفلة عن هذه المؤشرات لن تنتج إلا زلزالًا ديموغرافيًا:

شيخوخة مفاجئة للسكان، تراجع في قوة العمل، إفلاس أنظمة التقاعد، والأهم من ذلك كله، ذبول العنصر الأهم الذي شكّل هويتنا عبر التاريخ: الأسرة.

فائزة آقامحمدي