تحليل الخبر

۲۴۲۰ شكوى اغتصاب مدفونة في الثكنات.. كيف يحمي جيش الاحتلال الإسرائيلي المتورطين؟

انتبهوا إلى هذا الرقم: 2420 حالة اغتصاب!
الفضيحة الأخلاقية

هذا ليس مجرد رقم في تقرير إحصائي، بل هو فاتورة الفضيحة الأخلاقية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في عام ۲۰۲۵٫

وبحسب تقرير موقع ميدل إيست آي، فإن هذا الرقم يمثل عدد شكاوى الاعتداء الجنسي المسجلة داخل جيش الاحتلالإسر الإسرائيلي. لكن ما يحوّل هذه الفضيحة إلى كارثة ممنهجة هو طريقة تعامل إسرائيل مع هذه الشكاوى: فمن بين كل عشر قضايا، لا تصل سوى قضية واحدة إلى الشرطة، وفي نهاية المطاف لا تتحول إلى لائحة اتهام إلا أقل من ۲% من الحالات.

وبصياغة أوضح: إذا تعرّض شخص لاعتداء جنسي داخل الجيش الإسرائيلي، فإن فرصته في أن يُقدَّم المعتدي إلى المحاكمة أقل من ۲%.

وهنا لا نتحدث عن سلوك فردي صادر عن بضعة جنود منحرفين، بل عن سياسة مؤسسية منظمة لتوفير الحصانة.

لكن الجزء الأكثر صدمة في الخبر هو مصير أكثر من ۷۰۰ قضية من أصل هذه الـ۲۴۲۰٫ فقد انتهت هذه الملفات إلى جلسات القيادة العسكرية. وفي جيش يزعم أنه يلتزم بأعلى معايير حقوق الإنسان، يمكن لقائد عسكري أن يجلس بدل القاضي، وأن يقرر ما إذا كان الاعتداء الجنسي قد وقع أم لا. وهذا يعني أن الاغتصاب داخل الجيش الإسرائيلي يُعاد تعريفه عمدًا باعتباره مخالفة إدارية، حتى يُخرج من دائرة القانون الجنائي والمحاكم المستقلة.

ومعنى ذلك أن المعتدي، بدلًا من السجن، قد يفلت من العقاب عبر تأنيب شفهي أو على الأكثر عدة أيام من الاعتقال داخل الثكنة. فما الهدف من هذا التصميم الخطير؟ إنه حماية صورة المؤسسة العسكرية. فالمحاكمة العلنية في المحكمة تضرّ بصيغة “الجيش الأخلاقي”، بينما جلسة قيادة مغلقة داخل الثكنة تدفن كل شيء في العزلة والصمت.

وينبغي النظر إلى هذا النهج، أي استيعاب العنف الجنسي داخل المؤسسة العسكرية، إلى جانب الجرائم الأخرى التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين. فهناك أيضًا المنطق نفسه: الضحية لا تملك حق اللجوء إلى محكمة مستقلة، والعسكريون هم قضاة أنفسهم، والمنظومة مصممة بطريقة تضمن ألّا يُحاكم أي جندي أبدًا. وعندما يعتدي الجيش الإسرائيلي على الأسرى الفلسطينيين، تُغلق القضايا نفسها في الجلسات القيادية ذاتها. وهذا يثبت أن الحصانة القضائية في الفكر العسكري الإسرائيلي ليست استثناءً، بل مبدأ استراتيجي.

أما النقطة المخزية الأخرى فهي دور وسائل الإعلام الغربية الرئيسية. فلو نُشر رقم كهذا عن الجيش الصيني أو الروسي، لتصدّر عناوين الصحف العالمية لأسابيع. لكن لأن الأمر يتعلق بإسرائيل، فإن الخبر يُدفن سريعًا وسط سيل من التحليلات التي تسعى إلى التبرير والتخفيف. هكذا يعمل الصهيونية الإعلامية: فخرافة “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” تبقى غطاءً لما يجري داخل ثكناتها من فظائع. كما أن أي نقد جاد للبنية العسكرية الإسرائيلية يُواجه مباشرة بتهمة معاداة السامية، في حين أن الضحايا الإسرائيليين أنفسهم هم أول من يدفع ثمن هذه الثقافة السامة داخل الجيش.

۲۴۲۰ ضحية، و۴۲ لائحة اتهام.

هذه ليست معادلة ظهرت بالصدفة. إنها نتيجة تصميم قانوني وعسكري متعمد يهدف إلى إبقاء المتورطين في الاغتصاب بمنأى عن المحاسبة. وقد تعلّم جيش الاحتلال الإسرائيلي جيدًا أنه للحفاظ على أسطورته الكاذبة عن “الأخلاق”، فإن الأفضل هو إغلاق ملفات الاغتصاب في غرفة القيادة بدلًا من عرضها في محكمة علنية.

فائزة آقامحمدي