اسم المستخدم أو البريد الإلكتروني
كلمة المرور
تذكرني
وفي يوم المسابقة، وعندما ظهرت بشرى سيد على المسرح وهي ترتدي الحجاب الإسلامي، حدث أمر لافت. فقد كتب حساب «مجلس المسلمين في أوروبا»على إنستغرام، تحت اسم eumuslims_org، عن هذه المبادرة التي قامت بها رائدة الأعمال المسلمة: «كانت بشرا سيد أول امرأة في تاريخ هذه المسابقة ترتدي الحجاب الإسلامي».
لكن القصة لم تتوقف عند كونها «الأولى». فقد اشتعل الجدل أولًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث دعم عدد كبير من المستخدمين خطوتها واعتبروها رمزًا لمكافحة العنصرية والتمييز الجنسي والإسلاموفوبيا.
غير أن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام كان أن السيدة فون شتورس، وهي سياسية ألمانية تنتمي إلى حزب AfD اليميني، نقلت الجدل حول ظهور بشرا سيد بالحجاب إلى البرلمان الألماني.
وبشرى سيد في خطابها، انتقدت لماذا سُمح لامرأة مسلمة بأن تشارك بالحجاب في المرحلة النهائية من المسابقة من أجل الترويج لمنتجاتها، ثم أضافت: «إذا كان من المفترض أن تكون مشاركة ناشطة إسلامية كهذه في نهائي مسابقة ملكة جمال ألمانيا تقدمًا، فنحن إذن نعيش في فراغ، بل في فراغ خطير جدًا!»
حزب AfD أو «البديل من أجل ألمانيا» هو حزب يميني معادٍ للهجرة، وقد ازداد نفوذه في السياسة الألمانية منذ عام ۲۰۱۵، بالتزامن مع اندلاع أزمة الهجرة في أوروبا. ويتخذ الحزب مواقف حادة ضد الهجرة الواسعة، وتزايد الميل إلى الإسلام، والتعددية الثقافية في المجتمع، وسياسات استقبال المهاجرين التي تنتهجها الحكومات الألمانية. ويتهمه منتقدوه بأنه يعزز مناخ العداء للمهاجرين والمسلمين عبر نشر الخوف الثقافي والاقتصادي.
وبالطبع، عادة ما يرفض قادة الحزب هذه الاتهامات، ويقدمون أنفسهم بوصفهم مدافعين عن «الهوية الوطنية الألمانية». كما أن السيدة فون شتورس، انسجامًا مع هذه القومية الألمانية المتطرفة، اعترضت على حضور امرأة مسلمة ومحجبة في المسابقة، واعتبرته علامة على أسلمة المجتمع الألماني، بل قالت أيضًا: «حيثما يوجد الحجاب، لا يكون الجهاديون بعيدين… بشرا سيد ليست مجرد ناشطة في مجال الأزياء والملابس، بل هي ناشطة ومروّجة للحجاب!»
ولأن بشرا سيد لم تكن في الحقيقة شخصية سياسية، فإنها لم ترد على تصريحات السيدة فون شتورس بموقف سياسي، بل فضّلت أن ترد بذكاء وسخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ولهذا نشرت فيديو على إنستغرام، تقول فيه: «صديقتي الجديدة من حزب AfD قامت للمرة الأولى بالترويج لعلامتي التجارية في البرلمان، لذا من فضلكم كونوا لطفاء معها»! كما نشرت بشرا سيد في هذا الفيديو أجزاءً من كلام السياسية الحاد، وأضافت وهي تضحك: «هذه السياسية نسيت أن تعلن كود الخصم»، ثم بثّت جزءًا من كلمات فون شتورس، وبعدها أعلنت ضاحكة كود الخصم “AfD10” لشراء الشالات والطرحات الخاصة بها، وقالت مازحة إن هذا الكود يشمل حتى المنتجات باللون الأزرق أيضًا (وهو اللون الرمزي لحزب AfD)!
ولاقت هذه الاستجابة الذكية واللطيفة من بشرا انتشارًا هائلًا خلال وقت قصير، وأصبحت أحد النماذج الناجحة لـ«الرد الإعلامي الناعم» في مواجهة الهجمات السياسية. واعتبر كثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي أن ردّها مثال على تحويل الهجوم السياسي إلى فرصة إعلامية.
حتى إن بعض المستخدمين غير المسلمين كتبوا أنهم اشتروا من علامتها التجارية فقط تضامنًا معها. ووفقًا لما نقلته وسائل إعلام ألمانية، فقد بيعت بسرعة بعض منتجاتها، ومنها الشالات والطرحات بلون سُمي على سبيل المزاح «AfD Blue».
وكتبت صحيفة تابناك في هذا الشأن: «استراتيجية بشرا سيد الإعلامية بُنيت تحديدًا على هذه النقطة: تحويل دور “الضحية لهجوم سياسي” إلى “فاعل إعلامي نشط”. فهي بدلًا من الدخول مباشرة في سجال أيديولوجي، حاولت تحويل أجواء التوتر إلى أجواء ساخرة وقابلة للمشاركة عبر الشبكات الاجتماعية.
وقد أدى هذا النهج إلى أنها لم تدخل في موقف دفاعي فحسب، بل نجحت إلى حد كبير في تغيير سردية القصة لصالحها».
وفي مقابلات أُجريت بعد انتشار الفيديو بشكل واسع، قالت بشرا سيد إنها كانت قد واجهت من قبل تجارب يومية من التمييز العنصري، لكن بعد مشاركتها في مسابقة Miss Germany ازدادت الهجمات والرسائل الحاقدة ضدها بشكل ملحوظ.
وبحسب قولها، طُرح مرارًا سؤال مفاده: هل يمكن لامرأة محجبة أن تمثل «المرأة الألمانية»؟ وهو سؤال تعتبره دلالة على أزمة هوية لدى جزء من المجتمع الألماني.
وفي الوقت نفسه، قدمت هذه الحادثة صورة جديدة عن الجيل الجديد من النساء المسلمات في أوروبا؛ جيل لا يكتفي، خلافًا للصور النمطية القديمة، بموقع الدفاع فقط، بل يسعى إلى تقديم رواية مختلفة عن هوية المسلمين الأوروبيين عبر استخدام أدوات الإعلام، ولغة السخرية، وبناء العلامة الشخصية، والحضور الفاعل في الفضاء العام.
ومن الناحية السياسية أيضًا، أظهرت قضية بشرا سيد أن موضوع الحجاب في أوروبا لا يزال ليس مجرد نقاش حول اللباس فحسب، بل تحول إلى قضية مرتبطة بالهوية الوطنية، والهجرة، والاندماج الثقافي، ومستقبل المجتمعات متعددة الثقافات.
فبالنسبة للتيار اليميني، يُنظر إلى الحجاب بوصفه رمزًا للانقسام الثقافي وتهديدًا للقيم الغربية العلمانية؛ بينما يرى المدافعون عن التنوع الثقافي أن منع النساء المحجبات أو إقصاءهن يعني تقييد الحريات الفردية وإخراج جزء من المواطنين من الفضاء العام.
وفي النهاية، تحولت بشرا سيد من متسابقة نهائية في مسابقة جمال إلى شخصية إعلامية في واحدة من أكثر المعارك الثقافية والسياسية إثارة للجدل في ألمانيا؛ شخصية استطاعت، عبر المزج الذكي بين السخرية والتسويق والفعل الإعلامي، أن تحوّل هجومًا سياسيًا من حزب يميني إلى فرصة لزيادة الظهور وتعزيز علامتها الشخصية.
تعریب خاص لجهان بانو من صحيفة قدس