عودة القيم التقليدية بين الشباب.. دراسة من كلية كينغز لندن تكشف الأسباب والدوافع

كشفت دراسة دولية حديثة أجراها باحثون في كلية كينغز لندن عن تحول لافت في مواقف الشباب تجاه الأدوار التقليدية داخل الأسرة، حيث أظهرت النتائج أن نسبة متزايدة من أفراد الجيل زد (مواليد أواخر التسعينيات وحتى أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين) باتوا يؤيدون أفكارًا كانت تُعتبر في تراجع خلال العقود الماضية.
القيم التقليدية

وشملت الدراسة أكثر من ۲۳ ألف مشارك من ۲۴ دولة، وأظهرت أن ۳۱% من الرجال المنتمين إلى الجيل زد يوافقون على عبارة: “يجب على الزوجة حسب القيم التقليدية، أن تطيع زوجها دائمًا”، بينما يرى ۳۳% منهم أن الزوج ينبغي أن یكون له الكلمة الأخيرة في القرارات الأسرية المصيرية.

ارتفاع مقلق مقارنة بالأجيال السابقة

أكد الباحثون أن النتائج تمثل تغيرًا واضحًا مقارنة بالدراسات السابقة، إذ تشير إلى عودة الدعم للأدوار التقليدية داخل الأسرة، خصوصًا بين الرجال الشباب.

وقال البروفيسور بوبي دافي، المشرف على الدراسة، إن البيانات التي جُمعت خلال السنوات الخمس الماضية تُظهر تصاعدًا ملحوظًا في تأييد الأدوار التقليدية للرجل والمرأة داخل الأسرة.

وأوضح أن الاعتقاد السائد بأن الجيل زد أكثر انفتاحًا وتحررًا من الأجيال السابقة لا يعكس الواقع بالكامل، مضيفًا أن الدراسة تكشف عن تراجع في تبني قيم المساواة بين الجنسين، وهو ما يستدعي اهتمامًا مجتمعيًا واسعًا.

فجوة متزايدة بين الرجال والنساء

وأظهرت الدراسة أيضًا اتساع الفجوة في المواقف بين الجنسين داخل الجيل نفسه.

ففي حين وافق 31% من الرجال على فكرة طاعة الزوجة لزوجها، لم تتجاوز نسبة المؤيدات لهذه الفكرة بين النساء 17% فقط، وهو ما اعتبره الباحثون مؤشرًا على اختلاف متزايد في الرؤى قد يؤثر مستقبلًا في العلاقات الزوجية والتماسك الاجتماعي.

ما الأسباب وراء هذا التحول؟

حدد الباحثون ثلاثة عوامل رئيسية تفسر هذا التغير في المواقف الاجتماعية:

۱ – تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

يرى الباحثون أن خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مهمًا في نشر المحتوى الذي يعزز الأدوار التقليدية بين الجنسين، خاصة لدى الرجال الشباب.

كما تساهم البودكاستات، وقنوات يوتيوب، والمحتوى الذي يقدمه بعض المؤثرين الرقميين في ترسيخ هذه الأفكار وإعادة تقديمها بصورة جذابة للأجيال الجديدة.

۲ – الإحباط الاقتصادي

أشارت الدراسة إلى أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها كثير من شباب الجيل زد تدفع بعضهم إلى تبني نماذج أسرية تقليدية، إذ يشعر عدد من الشباب بأن فرص العمل والاستقرار الاقتصادي أصبحت أقل مقارنة بالأجيال السابقة، مما يجعل فكرة الرجل بوصفه المعيل الرئيسي للأسرة أكثر جاذبية بالنسبة لهم.

 – 3 رد فعل على التغيرات الاجتماعية

كما يرى بعض الباحثين أن التحولات السريعة في أدوار الرجال والنساء خلال العقد الأخير دفعت جزءًا من الشباب إلى التمسك بالنماذج التقليدية، نتيجة شعورهم بأن مكانتهم الاجتماعية أصبحت مهددة في ظل التغيرات الثقافية المتسارعة.

خبراء يحذرون من تراجع مكاسب المساواة

أثارت نتائج الدراسة قلق عدد من المتخصصين في قضايا الأسرة والمجتمع.

وأكدت فومي أويولولا، المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان، أن هذه النتائج تبرز أهمية عدم اعتبار التقدم الذي تحقق في مجال المساواة بين الجنسين أمرًا مضمونًا أو دائمًا.

وأضافت أن تغيير الثقافة المجتمعية عملية طويلة وحساسة، وتتطلب استثمارات أكبر في التعليم والتوعية، خاصة بين فئة الشباب.

وأوضحت أن الاعتقاد بضرورة طاعة الزوجة لزوجها لا يقتصر تأثيره على حقوق المرأة فقط، بل يمتد إلى قضايا أوسع، مثل انخفاض مشاركة النساء في سوق العمل، وضعف تمثيلهن في مراكز صنع القرار، إضافة إلى زيادة احتمالات التوتر داخل الأسرة واتساع فجوات عدم المساواة في مجالات التعليم والصحة.

تفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي

أثارت الدراسة نقاشًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول المستخدمون وسومًا مثل #GenZ_gender_gapو**#Obey_my_wife** للتعبير عن آرائهم.

وشارك عدد من النساء تجاربهن مع العلاقات غير المتوازنة، معربين عن مخاوفهم من مستقبل العلاقات الأسرية، في حين دافع بعض الرجال عن هذه المواقف مستندين إلى اعتبارات دينية وثقافية.

فقد كتب أحد المستخدمين أن “طاعة الزوج لا تعني الخضوع، بل تعكس احترام دور الرجل القيادي داخل الأسرة”، بينما رد آخر قائلاً: “الزواج شراكة قائمة على الاحترام المتبادل، وليس علاقة قائمة على السيطرة.”

توصيات الدراسة لمواجهة الظاهرة

في ختام الدراسة، أوصى الباحثون بضرورة بدء التوعية منذ المراحل الدراسية الأولى، من خلال إدراج موضوعات تتعلق بالعلاقات الأسرية الصحية، ومهارات التواصل، وإدارة الخلافات بين الأزواج ضمن المناهج التعليمية.

كما دعوا إلى إطلاق حملات إعلامية تسلط الضوء على نماذج ناجحة تقوم على التعاون والشراكة بين الزوجين، بما يسهم في ترسيخ قيم الاحترام المتبادل والمساواة داخل الأسرة.

وأكد البروفيسور بوبي دافي أن القضية تتجاوز الأرقام والإحصاءات، مشيرًا إلى أن تجاهل هذه التحولات قد يؤدي خلال السنوات المقبلة إلى عودة أنماط أسرية أكثر تقليدية، وهو ما ستكون له انعكاسات اجتماعية وثقافية واسعة.

نقاش عالمي يتزامن مع تحولات سياسية

تأتي هذه الدراسة في وقت تشهد فيه العديد من دول العالم تغيرات سياسية واجتماعية مهمة، حيث أصبحت قضايا الأسرة، وأدوار الرجال والنساء، والمساواة بين الجنسين، من أبرز الموضوعات المطروحة في النقاشات العامة والبرامج السياسية.

ويرى عدد من الناشطين أن مواجهة هذا الاتجاه تتطلب سياسات تعليمية وثقافية طويلة الأمد، إلى جانب تعزيز برامج التوعية التي تشجع على بناء علاقات أسرية قائمة على الشراكة والاحترام المتبادل.

تعریب خاص لـجهان بانو من وكالة أنباء King college