ما الذي يحدث في أفغانستان؟ قراءة في أوضاع المرأة بين روايات الإعلام الغربي وحق تقرير المصير

في الأيام الأخيرة، تزايدت الأخبار والتقارير حول النساء الأفغانيات والاحتجاجات التي اندلعت رفضًا لإجبار حركة طالبان النساء على ارتداء البرقع وتغطية الوجه. وقد تناولت هذه التقارير حالات اعتقال واسعة لنساء في مدينة هرات ومناطق أخرى من أفغانستان، إلى جانب وقوع مواجهات مع عائلاتهن.
المرأة الأفغانية

وتكاد جميع هذه الروايات، التي تصدر في الغالب عن النسخ الناطقة بالفارسية التابعة لوسائل إعلام غربية، ترفع شعار الدفاع عن حقوق المرأة الأفغانية. إلا أنها تختزل تلك الحقوق في قضية فرض الحجاب، وبأشد أشكاله صرامة، وكأن معاناة المرأة الأفغانية لا تتجاوز مسألة اللباس. وحتى عندما تتناول هذه الوسائل قضايا أخرى، فإنها لا تتعدى الإشارة بصورة محدودة إلى منع الفتيات من مواصلة تعليمهن.

غير أن هذه الروايات ليست مكتملة، ولا تعكس اهتمامًا حقيقيًا بالدفاع عن حقوق المرأة الأفغانية، ولذلك فهي تفتقر إلى أفق واضح أو نتائج ملموسة، بل قد تؤدي إلى زيادة معاناة النساء تحت سلطة طالبان. كما أنها لا تطرح أي مطالبة جدية بتمكين المرأة من أداء دورها الفاعل في المجتمع بوصفها مواطنة قادرة على الإسهام في نهضة أفغانستان وتقدمها.

وفي الأساس، فإن السرديات التي تتحدث عن الصدام بين طالبان والنساء الأفغانيات، أو العكس، لا تحقق سوى تكريس حالة المواجهة بين الطرفين، من دون أي اهتمام بإعداد مشروع أو نظام بديل يمكن أن يحل محل طالبان ويعيد الاستقرار إلى أفغانستان التي أنهكتها سنوات طويلة من الاحتلال والصراعات. ومن الطبيعي أن أي مواجهة مع سلطة تُوصَف بأنها ظالمة ومنتهكة لحقوق الإنسان، إذا لم تستند إلى رؤية واضحة وبرنامج متكامل، فإنها ستبقى مواجهة ناقصة وغير قادرة على تحقيق أهدافها.

إن ما تصفه بعض وسائل الإعلام الغربية بأنه نضال ضد الظلم الواقع على المرأة الأفغانية، لا يختلف كثيرًا – بحسب هذا الطرح – عما قدمته هوليوود في فيلم «سوبرغيرل»، حيث يتحول الأمر إلى مادة ترفيهية للجمهور الغربي أكثر منه دفاعًا حقيقيًا عن كرامة المرأة الأفغانية.

ومن هنا، فإن المطلوب من النساء الأفغانيات هو العودة إلى جوهر هويتهن، والتفكير في استقلالهن واستقلال وطنهن. وحتى إذا خلصن إلى أن استمرار طالبان ليس في مصلحة البلاد، فإن عليهن إعداد رؤيتهن الخاصة لمواجهة الحركة وصياغة البديل المناسب لها. فالنساء الأفغانيات أنفسهن أقدر على تحديد طبيعة العلاقة مع طالبان ورسم حدود المواجهة معها، بدلاً من الانجرار وراء وسائل إعلام تبحث في كل مرحلة عن ملف جديد يجذب الجمهور الغربي، عبر سرديات تمتزج فيها الحقائق بالمبالغات، وكأن مخرجًا سينمائيًا ينسج أحداث فيلم درامي.

كما أن وسائل الإعلام الغربية، ومعها فروعها الناطقة بالفارسية، والتي تستضيف خبراء قانونيين وسياسيين لتقديم نفسها بوصفها حريصة على حقوق الإنسان، لم تتناول يومًا أحد أهم المبادئ الحقوقية، وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها. والسؤال المطروح هو: لماذا؟ لأن همّها الأساسي – وفق هذا الرأي – ليس الدفاع عن حقوق الإنسان، بل صناعة الأخبار واستقطاب الجمهور. ولهذا يتحول بعض الخبراء إلى جزء من مشهد إعلامي يثير مشاعر المتابعين الغاضبين من قوانين طالبان، دون تقديم حلول حقيقية.

ويبدو أن المرأة الأفغانية قادرة، بعد دراسة مختلف الجوانب، على الوصول إلى قناعة بأنه إذا كانت طالبان لا تمثل الخيار المناسب لأفغانستان ولجميع مواطنيها، رجالًا ونساءً، فإن الطريق يكمن في أن يحدد الشعب الأفغاني بنفسه مستقبله. وهذا لا يتحقق إلا بالاعتماد على الذات، بعيدًا عن التدخلات الخارجية، وهو ما يمنح أي تغيير قدرة أكبر على الاستمرار.

إن حق المرأة في أن تكون فاعلة في مجتمعها يُعد من الحقوق الأساسية، وحرمان النساء الأفغانيات من هذا الدور حرم البلاد أيضًا من فرص التقدم العلمي والتنمية. ولذلك، فإن تبني مطالب جوهرية تعود بالنفع على المجتمع بأسره، يمكن أن يقود إلى حركة وطنية مستقلة وموحدة لإصلاح أوضاع أفغانستان، بعيدًا عن الانشغال بالقضايا الهامشية التي تستحوذ على الاهتمام الإعلامي، وتسهم في تصعيد التوترات السياسية والاجتماعية والأمنية.

ويبقى هناك واقع مرير لا ينبغي تجاهله؛ ففي منطقة غرب آسيا، لا تتحرك أي دولة غربية بدافع الحرص الحقيقي على شعوب المنطقة. وهذا يؤكد أن لا أحد سيكون المخلّص لشعب آخر، وأن كل أمة هي التي تصنع مستقبلها بنفسها، ولا يتحقق ذلك إلا بالوحدة والثقة بالذات.

صغری عاشوري