الحمل بعد “تكميم المعدة”… المزايا والمحاذير والتوصيات

في موازاة الارتفاع في أعداد المصابين/ ات بالسمنة حول العالم، لا سيّما في مرحلتي المراهقة والشباب، يزداد الإقبال على جراحات علاج السمنة كحل ناجز لفقدان سريع وكبير للوزن. وفيما تشكّل النساء غالبية المرضى الذين يخضعون لعلاج السمنة، ومعظمهن في سن الإنجاب، فإن الحديث حول أثر عمليات مثل تكميم المعدة (التي تعرف أحياناً بـ"قصّ المعدة") على الحياة الإنجابية للمرأة أمر ضروري.

ينطبق هذا أيضاً على لبنان حيث كثيراً ما تتساءل النساء حول الآثار المحتملة لعمليات تكميم المعدة جراحات علاج السمنة بوجه عام على خططهن المستقبلية لإنجاب أطفال، والعكس أي أثر تجربة الحمل على على خسارة الوزن بعد الجراحة.

تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن منظمة الصحة العالمية صنّفت لبنان، عام ۲۰۱۹، في المرتبة السادسة ضمن تسع دول شرق أوسطية قالت إن فيها أعلى مستويات البدانة في العالم. وأشار مسؤولو الصحة اللبنانيون آنذاك إلى أن معدلات السمنة ضمن الفئة العمرية (۲۰ عاماً فأكثر)، وهي الفئة التي توافق سن الإنجاب، تزيد عن ۲۸%.

فوائد صحيّة متعددة

بالنسبة لأثر الحمل على خسارة الوزن بعد جراحة علاج السمنة، هناك أدلة طبية عديدة على أنه لا تأثير ملحوظ للحمل على فقدان الوزن الزائد بالجراحة. في إحدى الدراسات التي بحثت هذا الأثر المحتمل، كشفت متابعة استمرت خمس سنوات لنساء أجرين الجراحة وانقسمن إلى مجموعتين، الأولى أنجبت عقب الجراحة والثانية لم تنجب، أن أثر الحمل على فقدان الوزن كان محايداً.

.

أما عن المزايا الصحيّة التي يشار إليها لجراحة تكميم المعدة، وجراحات علاج السمنة عموماً، على الحمل فتتضمن: التخلّص من السمنة المفرطة وإنقاص الوزن الزائد بما يُسهم في تحسين العوامل المساعدة على زيادة فرص الحمل، وزيادة الخصوبة عبر تحسين عملية التبويض وعلاج متلازمة تكيّس المبايض. 

ومن المعروف أن السمنة من أسباب تأخر الحمل عند النساء وأحياناً العقم، علاوة على مخاطرها المتمثلة في الاعتلال الجراحي والوفيات الجنينية ومضاعفات الحمل النفاسي وكذلك احتمالية الولادة المعقدة حال حدوث حمل.

“يجب اعتبار الحمل عند المرأة بعد جراحة علاج السمنة من حالات الحمل العالية الخطورة التي تتطلب عناية من قبل فريق متعدد التخصصات وتوفير المغذيات المناسبة ومكملات الفيتامينات”… لماذا؟

بالعودة إلى الفوائد الصحيّة المحتمل لجراحة تكميم المعدة، فإن بعض الأدلة الطبية تعتبر استقرار الوزن عاملاً في استقرار الاضطرابات الهرمونية والغذائية، وهو ما ينعكس على إمكانية حمل المرأة.

وتُسهم جراحة علاج البدانة أيضاً في علاج سكري الحمل، وحماية الجنين والأم من تسمم الحمل، بالإضافة إلى تجنب التهاب المشيمة والولادة القيصرية، وكذلك تجنب الحاجة إلى إدخال الوليد الحضّانة (وحدة العناية المركزة) فور الولادة، وجميعها من المضاعفات المرتبطة بالسمنة.

تحذيرات ومخاوف

على الرغم من الفوائد المؤكدة والعديدة، فإن تجربة الحمل عقب جراحة علاج السمنة لا تخلو من المخاطر التي تهدد صحة وحياة الأم والجنين. على سبيل المثال، يعاني الجسد بعد الفقدان السريع والكبير للوزن من نقص شديد في العناصر الغذائية الرئيسية، وخاصةً البروتين والحديد وحمض الفوليك والكالسيوم والفيتامينات B12 وD. وهو ما قد يؤثّر بشدة على الأم الحامل والجنين إذا لم يتم التغلب عليه قبل حدوث الحمل، ويعد فقر الدم الأمومي أحد أبرز المخاطر في هذه الحالة.

كذلك، يحذّر الأطباء والدراسات من أن الحمل بعد العملية مباشرةً أو بعد فترة قصيرة يهدد بمضاعفات خطيرة أثناء الحمل بينها الإصابة بسكري الحمل وارتفاع ضغط الدم والولادة المبكرة أو حتّى الإجهاض، والولادة القيصرية.

أما بالنسبة للجنين، فقد تتضمن المخاطر سوء التغذية وضعف النمو، وبالتالي الحاجة لإدخال المواليد وحدات العناية أو الحضّانات فور الولادة.

الوقت المثالي

وتختلف الدراسات في تحديد “الوقت المثالي” للحمل عقب جراحات علاج السمنة عموماً، وتكميم المعدة تحديداً. لكنها تتفق على خطورة حدوث حمل قبل مرور ۱۲ شهراً على الأقل من العملية. 

وتوصي الدراسات الحديثة بشكل متزايد بأن يبدأ التخطيط للحمل بعد مرور عامين (۲۴ شهراً) على الأقل على الجراحة. مع التأكيد على أن كل حالة مرضية لها ظروفها الخاصة، أي قد تتطلب وقتاً أطول أو أقل من غيرها. وهو ما يتوافق مع دليل وإرشادات الكلية الأمريكية لطب النساء والتوليد (ACOG).

يرتبط هذا “الوقت المثالي” الموصى به تحديداً بقدرة الجسم على استعادة عافيته بعد العملية والفقدان السريع والكبير للوزن، وباستقرار الوزن واستعادة التوازن في العناصر الغذائية الضرورية لتغذية الأم والجنين. ومن هنا تأتي الفروق الفردية واختلاف الوقت الأمثل لحدوث الحمل.

تحرّي “الوقت المثالي” والدراية الكاملة بمضاعفات الجراحة والتمييز بينها وبين الأعراض الشائعة للحمل من التوصيّات التي تساعد على تجربة حمل آمنة للأم والجنين عقب جراحة تكميم المعدة وجراحات علاج السمنة عموماً

توصيات ضرورية

بحسب مراجعة المكتبة الوطنية للطب، التابعة لمعاهد الصحة الوطنية الأمريكية، للدراسات والأبحاث التي تناولت الحمل عقب جراحة تكميم المعدة بين عامي ۲۰۱۰ و۲۰۲۰، فإنه “لا يمكن المبالغة في تقدير التأثير الإيجابي لجراحة السمنة على مستوى الأمراض المصاحبة والحمل وأثرها على الأجنة/ حديثي الولادة” بل “يجب اعتبار الحمل عند المرأة بعد جراحة علاج السمنة من حالات الحمل العالية الخطورة التي تتطلب عناية من قبل فريق متعدد التخصصات وتوفير المغذيات المناسبة ومكملات الفيتامينات”.

وتشدد المراجعة العلمية على “ضرورة اختيار الوقت الأمثل للحمل وفقاً للتوصيات الدولية” و”أهمية أن تكون كل امرأة أجرت الجراحة على دراية بأعراض المضاعفات الجراحية وأن تتصل على الفور بالجراح في حالة حدوث ألم في البطن”.

ويمكن تلخيص التوصيات الطبية الدولية للنساء خلال حمل ما بعد جراحة علاج السمنة في:

۱- تحرّي الوقت المثالي للحمل، بما لا يقل عن ۱۲ شهراً. ومراعاة الفروق الفردية لكل حالة صحية.

۲- المتابعة مع الطبيب منذ اتخاذ قرار الحمل والالتزام الصارم بتعليماته. ومنذ بداية الحمل، تجب المتابعة مع فريق مكون من طبيب الأمراض النسائية وطبيب التغذية وجراح السمنة وأخصائي نفسي.

۳- عمل التحاليل والأشعة الضرورية بانتظام، ومتابعة مستويات الحديد والبروتين والفيريتين والكالسيوم وفيتامين د تحديداً في الدم على الأقل كل ثلاثة أشهر في حالة عدم وجود نقص في المغذيات.

۴- التمييز بين المضاعفات المحتملة لجراحة علاج السمنة وأعراض الحمل الشائعة. على سبيل المثال، مشاكل الجهاز الهضمي (مثل الغثيان والقيء وآلام البطن) هي من الأعراض الشائعة للحمل وفي الوقت عينه من المضاعفات المحتملة للجراحة، وينبغي التحقق من ذلك والتواصل مع الفريق الطبي المعالج حال حدوثها.

۵- مراقبة الوزن والتأكد من أن أي زيادة فيه هي زيادة طبيعية من الحمل.

۶- نظراً لخطر سوء الامتصاص، كعرض شائع عقب الجراحة، تجب مراقبة تناول الأدوية الموصوفة للحامل عن طريق الفم بعناية.

۷- يجب التخطيط الجيد لعملية الولادة مع الفريق الطبي لضمان ولادة آمنة للأم والجنين.

المصدر : الرصیف ۲۲