اسم المستخدم أو البريد الإلكتروني
كلمة المرور
تذكرني
أظهر نقاش أسري في مصر مؤخرا حول تبعات طلاق الأبوين في سن متقدمة وتأثيره على الأبناء، حجم المخاطر الواقعة على الأسرة إذا حدث الانفصال دون تأهيل مسبق للخطوة، وتحضير الأبناء لاستقبال طلاق الأبوين بشكل تدريجي قبل إصابتهم بانتكاسات نفسية قد تنال منهم طوال حياتهم.
وارتبط الحديث عن تحضير الأبناء لانفصال الأبوين بتطرق مسلسل “حسبة عمري” الذي عرض على بعض القنوات الفضائية المصرية مؤخرا، إلى أهمية فتح نقاش هادئ وعقلاني بين الآباء والأبناء قبيل الوصول إلى مرحلة الطلاق لتخفيف الصدمة ونتائجها النفسية والسلوكية والاجتماعية، بحيث يستقبل الأبناء هذا المتغير الخطير بعيدا عن الطريقة المفاجئة الصادمة.
وتناولت أحداث المسلسل قرار الآباء بالانفصال في سن متقدمة بعد العِشْرة الطويلة، أو ما يعرف بـ”الطلاق الرمادي”، وأنه من الطبيعي أن يواجه برفض من الأبناء، خوفا على صورتهم الاجتماعية أمام الآخرين، أو لأنهم يخشون التداعيات السلبية عليهم وربما تعرضهم للسخرية والتنمر والتأثير على مستقبلهم الاجتماعي، ما يفرض حتمية تمهيد خطوة الطلاق للأبناء قبلها بفترة.
وتمت مناقشة قضايا أسرية معقدة، مثل علاقة الأبناء بالآباء والخلافات التي تقود إلى وصول العلاقة الزوجية حد التدهور، ومخاطر وقوع الطلاق بين كبار السن إذا كان لديهم أبناء في عمر المراهقة والشباب، تناولت الأحداث عملية تأهيل الأبناء للانفصال.
ويغيب عن الكثير من الأزواج كبار السن عند الوصول إلى مرحلة معقدة من الخلافات والتفكير في الانفصال، كيفية إدارة العلاقة مع الأبناء، وماذا يمكن أن يفعلوه للتخفيف عنهم وتجهيزهم لمرحلة سوف يعيشون فيها دون وجود الأبوين معا، ومن النادر أن يفكر الشريكان في الحديث مع أبنائهما عن قرار الطلاق وأسبابه وأبعاده.
وحظيت المشكلة بنقاش موسع عندما تناولت الأحداث بطريقة أقرب إلى الواقعية، ماذا يحدث للأبناء عندما تنتهي علاقة الأبوين بعد زواج دام سنوات طويلة، ولديهم أبناء متزوجون، منكسرون وضعفاء في مواجهة الحرج والنظرة السلبية بما يزيد توترهم وإخفاقهم وعدم ثقتهم بالمحيطين بهم والفشل في تكوين صداقات بسبب التداعيات المصاحبة للطلاق.
وتصبح الانتكاسة النفسية أكثر تأثيرا على المراهقين الشباب من قرار انفصال الأبوين، عكس التي يتعرض لها الأبناء صغار السن، إذ يشعر الأبناء الكبار بالضياع والتشتت والميل إلى العزلة ورفض المحيط العائلي وكراهية تكوين أسرة مستقبلا، وترتبط النتائج بطريقة التأهيل والتخطيط للانفصال دون وقوع صدمات لأي طرف.
ويتوقف الانفصال المتحضر بين الزوجين المتقدمين في السن، على وعيهما بالطريقة المثلى لإنهاء العلاقة بتقدير واحترام، وتمهيد الأبناء لتقبل الوضع الجديد للأسرة بعيدا عن سعي أي طرف لابتزاز الآخر من خلال أولاده ومحاولة استمالتهم بالتشكيك في نوايا الآخر، والذي يضاعف من التبعات السلبية على الأبناء ويفقدهم الثقة في من حولهم بعد أن صُدموا في آبائهم.
ويؤكد استشاريون في العلاقات الزوجية أن العبرة في عدم تأثير الطلاق على الأبناء سواء أكانوا كبارا أم صغارا، أن يحدث بشكل صحي ومتحضر وبلا صراعات تصيب الأبناء بصدمة نفسية قد تطاردهم طيلة حياتهم، والمهم مشاركة الأبوين لأولادهما لطريقة العلاقة بينهما مستقبلا، وعدم غياب الوالدين لفترة طويلة في مرحلة ما بعد الانفصال مباشرة، وتتكرر اللقاءات.
وما لم تنتهِ العلاقة في خريف العمر من خلال انفصال صحي هادئ يتقبله الأبناء أنفسهم، فإن ذلك سيكون محبطا لشباب وفتيات نفس العائلة الصغيرة، لأنهم كانوا يريدون بدء حياتهم الزوجية بتفاؤل من خلال البناء على قصة نجاح العلاقة بين الأبوين، لكنهم يُصدمون بأن سنوات العِشْرة لم تكن لها قيمة وأصبح مستحيلا البناء عليها للوصول إلى حياة سعيدة دون منغصات.
وتتخذ شريحة من الشباب والفتيات من الزيجات طويلة المدى قدوة لهم في كيفية التمسك بالاستقرار واحترام وصون العِشْرة وتقديس العلاقة الزوجية أمام تشعب المشكلات الحياتية، وعندما تحدث واقعة انفصال بين زوجين متقدمين في السن تكون صادمة للمحيطين كما الأبناء أنفسهم، لأن المجتمع يتعامل مع تلك العلاقات طويلة المدى باعتبارها من الثوابت التي يصعب انهيارها.
وكشف مركز الإحصاء الحكومي في مصر أن نسبة الطلاق بين شريحة كبار السن وصلت إلى ۱۰ في المئة من إجمالي حالات الانفصال في البلاد، ما يعني أن الحديث الطلاق الرمادي ليس مجرد سياق درامي بل هو واقع مسكوت عنه أو يتم التطرق إليه على استحياء باعتبار أن هذه الفئة غير متوقع أن تصل إلى مرحلة الطلاق.
۱۰في المئة نسبة الطلاق بين شريحة كبار السن من إجمالي حالات الانفصال في البلاد
ويصعب الانفصال بشكل حضاري وتمهيد الخطوة لإراحة الأبناء، إلا إذا كانت تنشئة الأبوين في بيئة أسرية تكرس احترام الرجل للمرأة، واقتناعهما بأن الطلاق ليس نهاية المطاف أو مقدمة للقطيعة بين الأبوين، ويمكن أن يصبح بداية لحياة جديدة أكثر إيجابية وهدوءا وراحة للأب والأم والأبناء، وهذا ما يجب على الزوجين فعله باتفاق مسبق حول شكل العلاقة مستقبلا.
وهناك اتفاق بين خبراء العلاقات الأسرية على أن تثقيف الأجيال المعاصرة بمراحل الانفصال الهادئ يحمي الأبناء من صدمات وعُقَد قد تظل معهم حتى عندما يصبحون أزواجا في المستقبل، لأنهم يفقدون الثقة في أقرب المحيطين بما فيهم الشريك، طالما أن الابن عاصر تجربة مريرة من قبل في انفصال أبويه، وهذا يستدعي أن يكون الأبناء شركاء في قرار الطلاق وترتيب خطواته.
وتظل المشكلة في وجود مفاهيم خاطئة عند بعض الآباء حول شكل العلاقة مع الأبناء بعد الانفصال الرسمي، حيث يتراجع التقارب ومظاهر المودة، وثمة آباء وأمهات يقرّرون الانفصال دون مشاركة الأبناء أو تأمين مخاوفهم من المستقبل، وهذه ثقافة تستند للمخاطر النفسية التي تطال الأبناء عندما لا يستطيعون مواجهة الآخرين.
وأكد جمال فرويز استشاري الطب النفسي والعلاقات الأسرية في القاهرة أن الطلاق الصحي الذي يغلّب مصلحة الأبناء ليس ثقافة أسرية، وهناك فهم خاطئ عن الانفصال بأنه بداية للانتقام، ما يجعل تأهيل الأبناء لتلك المرحلة خطوة لا غنى عنها لنفي أي شك أو خوف عند الأبناء بأن مستقبلهم في خطر، ومن هنا تأتي قيمة الإعداد المسبق.
وأضاف لـ”العرب” أن تحول تحضير الأبناء للطلاق إلى ثقافة عائلية ليس مهمة صعبة، المهم الكف عن تصدير نماذج سلبية عن الانفصال بأنه بداية للصدام والانتقام والابتزاز، ثم أن تأهيل الأبناء للخطوة يُشعرهم بقيمتهم عند الآباء ويؤمن مخاوفهم بأنهم لن يتعرضوا لمنغصات لأن علاقة الزواج انتهت، المهم المودة قائمة.
ولفت المختص النفسي إلى أن الخطر الأكبر الذي ينتج عن الطلاق الرمادي يكون على المراهقين الشباب، لأنهم يفقدون الأمان وتكون بينهم وبين فكرة تكوين أسرة مستقبلا حواجز نفسية يصعب التخلص منها، ما يفرض على الأزواج كبار السن التعامل بحكمة وعقلانية قبل انهيار سنوات العِشْرة، وعندما يقررون اختيار راحة أنفسهم فإنهم يدمرون أولادهم عن غير قصد.
ويعني ذلك أن التأهيل للطلاق يفترض أن تسبق أي خطوات أخرى، لأن الأبناء من حقهم أن تُؤمّن حياتهم بأن يكونوا شركاء في رسم قرار الانفصال والتخطيط لكل شيء يخصهم بعيدا عن أنانية الآباء، ويتوقف ذلك على مدى رُقي وتحضر الشريكين والتخطيط لرعاية الأبناء والتضحية لتأمين مصالحهم ولو بعد الطلاق الرسمي.
المصدر: العرب